
في بداية الأمر، كان يوجد الشتاء. ولم يعرف العالم فصلًا غير الشتاء. ولما عجز الشتاءُ عن تحمّل تلكَ الوحدةِ، اقتطعَ من حياتِهِ ليُلاقي فصلًا مُختلفًا. وقد سُمِّيَ ذلكَ الفصلُ بالربيعِ، فأخذَ الربيعُ يتطلعُ إلى الشتاءِ كمعلّمٍ لهُ، وأصبحَ يطاردُ أثرَهُ دائمًا. استجابَ الشتاءُ لما وجّهَهُ الربيعُ لهُ من تقديرٍ ومحبّةٍ فقامَ بتعليمِهِ وإرشادِهِ، وتبادلَ الفصلانِ الأدوارَ بينهما بمودةٍ وانسجامٍ. ولكن، في منتصفِ الطريقِ، أطلقتِ الأرضُ صرخةَ ألمٍ، وكأنّها تقولُ إنّهُ لا يوجدُ وقتٌ للراحةِ أبدًا. فالحيواناتُ ما إن ترعى الحبَّ حتى تنامَ، والأشجارُ ما إن تتغطى بالأوراقِ الخضراءِ حتى تتجمدَ، وقالت إنّهُ لو كانَ الأمرُ كذلكَ، لكانَ من الأفضلِ البقاءُ في عالمِ الشتاءِ حيثُ الصبرُ والجمودُ فقط. لأنّها حينَ عرفتِ الربيعَ مرةً واحدةً، لم تعد تحتملُ قدومَ عالمِ الشتاءِ. حزنَ الشتاءُ من هذا القولِ، لكنّهُ استجابَ لرغبةِ الأرضِ، واقتطعَ المزيدَ من حياتِهِ ليجد فصلين آخرين، وهما الصيفُ والخريفُ. كانَ الصيفُ بحرارَتِهِ القاسيةِ رثاءً للأرضِ التي كرهَتْهُ، أما الخريفُ الذي يُظهرُ موتَ الكائناتِ تدريجيًّا، فكانَ وقتًا لتهيئَةِ الأرضِ لتقبّلِ الشتاءِ مرةً أخرى. ولمّا قبلتِ الأرضُ بذلكَ، أصبحتِ الفصولُ تدورُ على هيئةِ الربيعِ والصيفِ والخريفِ والشتاءِ. بدأت فصولُ السنةِ تدورُ حولَ العالمِ، يطاردُ كلُّ واحدٍ منهم أثرَ الآخرِ، ممّا أدى إلى تعاقبِ الفصولِ. يطاردُ الربيعُ الشتاءَ، ويليهُ الصيفُ والخريفُ، وإذا نظرَ أحدهم خلفَهُ وجدَ الربيعَ، لكنّ الأمرَ اختلفَ عما كانَ عليهِ حينَ كانا فصلينِ فقط، فلم يعد لشهرِ العسلِ بينَ الربيعِ والشتاءِ وجودٌ. كانَ الشتاءُ يحبُّ الربيعَ، تمامًا كما يحب الأزواج بعضهم البعض، كانَ يحبُّ الربيعَ، والربيعُ أيضًا بادلَهُ الحبَّ كأنّهُ القدرُ. أدركَ الخريفُ والصيفُ تلكَ العاطفةَ الخفيةَ، فقدما اقتراحًا لأجلِهما، وهو أن يوكلا مهامَّهما إلى من يسكنُ الأرضَ. يُمنحونَ القوةَ ويطوفونَ في الأرضِ على مدارِ العامِ، واسمُهم وكلاءُ الفصولِ الأربعةِ. في البدايةِ، أُعطيتِ المهمةُ للثورِ، لكنّ خُطاهُ كانت بطيئةً، فصارَ العامُ كلُّهُ شتاءً فقط. بعد ذلكَ، أُعطيتِ المهمةُ للأرنبِ، لكنّهُ قُتلَ وأُكلَ من قِبلِ ذئبٍ في منتصفِ الطريقِ. أدّى الطائرُ المهمةَ ببراعةٍ، لكنّهُ نسيَ واجبَهُ في العامِ التالي. وبينما كانت فصولُ السنةِ في حيرةٍ من أمرِها، ظهرَ البشرُ في النهايةِ وعرضوا المساعدةَ، قائلينَ: "سوف نصبحُ نحنُ وكلاءَ للفصولِ الأربعةِ، وفي المقابلِ، نرجوكم أن تمنحوا الأرضَ الخصوبةَ والطمأنينةَ." وهكذا، منحَ الربيعُ والصيفُ والخريفُ والشتاءُ جزءًا من قوتِهم للبشرِ، وحصلَ الشتاءُ على وقتٍ ليحبَّ الربيعَ إلى الأبدِ. وهكذا ولدَ في هذا العالمِ وكلاءُ الفصولِ الأربعةِ.
No chapters in your languages yet, so these are in the languages this series has.
Series that share the most genres with it












Comments
Loading comments…