
في يومٍ بدا عاديًّا كسائر الأيّام، صادفتُ ثعبانًا يحتضر على حافّة الموت، يتخبّط بين أنفاسه الأخيرة كأنّ القدر نفسه كان يوشك أن يطوي صفحته إلى الأبد، فلم يطاوعني قلبي على تركه يواجه فناءه وحيدًا، فمددتُ إليه يد العون وأنقذته من المصير المحتوم الذي كان يتربّص به. لكنّ فعلًا صغيرًا من الرحمة جرّ وراءه ما لم يكن يخطر على بال بشر. ففي غمرة إنقاذي له، انغرست أنيابه الحادّة في جسدي فجأة. وللوهلة الأولى ظننت أنّ الأمر لا يعدو كونه عضةً عابرة، حادثةً مؤسفة يمكن نسيانها مع مرور الأيّام. وكان كلّ شيءٍ على ما يُرام... بل أكثر من ذلك، كنت أعتقد أنّ المسألة انتهت عند هذا الحدّ. إلى أن اكتشفت الحقيقة الصاعقة. لم أُلدغ. بل وُسِمت. وما ظننته جرحًا عابرًا لم يكن سوى طابع ارتباطٍ وقدَرٍ لا يُمحى، نُقش على روحي قبل جسدي، وربط مصيري بمصير ذلك الكائن على نحوٍ لم أكن لأتخيّله حتى في أكثر الأحلام جنونًا. وحين التقيتُ بالثعبان مجددًا، طالبتُه دون تردّد بأن يزيل تلك الوصمة ويُنهي هذه المهزلة العبثية. لكنّ المصيبة الحقيقية لم تكن في الوصمة نفسها... بل في صاحبها. فهذا المحتال الماكر، الذي لم تمنحه السماء سوى وجهٍ بالغ الوسامة يُربك العقول ويُضلّل الأبصار، كان يمتلك من الجرأة والوقاحة ما يكفي لإصابة المرء بالصداع لمجرّد محاورته! " روزالين... عليكِ أن تتحمّلي مسؤوليتي. فكلّ ما حدث إنّما كان نتيجةً مباشرةً لما اقترفته يداكِ." "وما شأني أنا بذلك؟" تساءلتُ بذهولٍ وأنا أحدّق إليه بنظراتٍ حادّة تكاد تقتلع تلك الابتسامة المستفزّة من على وجهه، بعد أن ألقى عليّ مسؤوليّة الأمر بأكمله وكأنّه الضحيّة المظلومة في هذه الحكاية. عندها ارتسم على شفتي كيليس ذلك القوس الفاتن الذي لا يزيده إلّا مكرًا، وانحنت زوايا فمه في ابتسامةٍ واثقةٍ تنضح بدهاء الثعابين القديمة. "لأنّكِ في ذلك اليوم أنقذتِ حياتي." "لم أفعل سوى ما يمليه عليّ ضميري. لم أستطع أن أتجاهل روحًا كانت تحتضر أمام عينيّ، هذا كلّ ما في الأمر." ورغم برودة إجابتي، بل رغم الجليد الذي اكتنف كلماتي حتى كاد يجمّد الهواء بيننا، لم يتزعزع هدوؤه قيد أنملة. بل مال برأسه قليلًا، وكأنّه يحدّث طفلةً تنكر حقيقةً واضحة لا تقبل الجدل. ثم قال بكلّ بساطة: "لكنّكِ ربّتِّ على رأسي أيضًا. أليس ذلك بمثابة طلب زواجٍ بالنسبة لي؟" "بالطبع لا!" "بل بلى." "قلتُ لا!" "وأنا أقول نعم." "أخبرك أنّ الأمر ليس كذلك...!" يا لهذا الثعبان الماكر! أقسم أنّه ليس كذلك حقًّا، مهما حاول ليَّ الحقائق وقلبها رأسًا على عقب! فكيف تحوّل إنقاذُ كائنٍ يحتضر بدافع الشفقة إلى عرض زواجٍ في منطقه الأعوج؟! وكيف وجدتُ نفسي فجأةً عالقةً في شبكةٍ نسجتها أنياب ثعبان وابتسامة رجلٍ لا يعرف معنى التراجع؟!
No chapters in your languages yet, so these are in the languages this series has.
Series that share the most genres with it












Comments
Loading comments…